اسماعيل بن محمد القونوي

312

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

على الزمخشري في إثبات وجود التعذيب قوله بالتوبة في المغفرة وعدم التوبة في التعذيب كالمنافي « 1 » لقوله تعالى : مَنْ يَشاءُ [ آل عمران : 179 ] إذ لا معنى للمشية في صورة الوجوب وإنما لم يتنبهوا لقيد المشية لأن حب الشيء يعمي ويصم . قوله : ( لعباده فلا تبادر بالدعاء عليهم ) الأولى فلا تقصد الدعاء وهذا بناء على القول الأخير المرجوح والمعنى على الأول فلا تنكر فلاح قوم فعلوا ما فعلوا لأن اللّه غفور لمن تاب من الكفار رحيم متفضل عليهم بأنواع النعم في دار القرار . ليس هذا بشيء لأن الكلام في قوله : يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ [ آل عمران : 129 ] وعلى ما ذكره يبقى الكلام منقطعا عنه أقول مراده أن هذا الاتباع قرينة أن المراد في قوله سبحانه : يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ [ آل عمران : 129 ] كلام مبني على قيد التوبة وعدمها . قوله : لم لا يجوز أن يكون هذه الآية وهي قوله سبحانه : يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ [ آل عمران : 129 ] قرينة على أن المراد بقوله : أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ [ آل عمران : 128 ] أو يتوب عليهم إن شاء أو يعذبهم إن شاء واو للتنويع لا للتقسيم فحينئذ تتطابق الآيتان من حيث المعنى ويرجع معنى الأولى إلى الثانية والصواب أن المصدر مضاف إلى المفعول الأول والثاني هو قوله : أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [ آل عمران : 128 ] الخ والفاعل محذوف وتقريره واتباع اللّه قوله : يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ [ آل عمران : 129 ] قوله : أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ [ آل عمران : 128 ] تفسير بين لمن يشاء وقع قوله : يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ [ آل عمران : 129 ] بيانا لقوله : أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [ آل عمران : 128 ] وقولهم ويعذب من يشاء بيانا لقوله : أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ [ آل عمران : 128 ] ولا بد ذلك من عدم التوبة فإن التوبة والعذاب لا يجتمعان لما دلت عليه كلمة أو في قوله : أَوْ يُعَذِّبَهُمْ [ آل عمران : 128 ] بعد قوله : أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ [ آل عمران : 128 ] وهذه المسألة من المسائل التي وقع الخلاف بيننا وبين المعتزلة لنا إطلاق الآيات الدالة على العفو والمغفرة غير المقيدة بالتوبة وبدونها منها هذه الآية ومنها قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 129 ] إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [ الزمر : 53 ] والمعتزلة يخصونها بالصغائر أو بالكبائر المقرونة بالتوبة وتمسكوا في ذلك بوجهين الأول الآية والأحاديث الناطقة بوعيد العصاة الوجه الثاني أن المذنب إذا علم أنه لا يعاقب على ذنبه كان ذلك تقريرا له على الذنب وإغراء للغير عليه وهذا ينافي حكمة إرسال الرسل والجواب عن الأول أن تلك الآيات والأحاديث على تقدير عمومها إنما تدل على الوقوع دون الوجوب وقد كثرت النصوص في العفو فيخصص المذنب المغفور عن عمومات الوعيد وعن الثاني أن مجرد جواز العفو لا يوجب ظن عدم العقاب فضلا عن الجزم به كيف يوجب جواز العفو العلم بعدم العقاب والعمومات الواردة في الوعيد المقرونة بغاية من التهديد يرجح جانب الوقوع بالنسبة إلى كل واحد وكفى به زاجرا فكيف يكون العلم بجواز العفو تقريرا له على الذنب مع هذا الزاجر قال الشيخ الأكمل وأقول أولا بالموجب أي سلمنا أن قوله ولا

--> ( 1 ) وإنما قال كالمنافي لاحتمال أن يكون المراد من الآية التقييد وإن كان خلاف الظاهر جدا كذا قيل والأولى الكاف إما للعينية أو للزيادة لأن التقييد بلا داع لو جاز لجاز في كل موضع فح يرفع الأمان في عموم البيان واللّه المستعان .